شمس الدين الشهرزوري
392
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية
وأمّا ما ذكره الحكماء في إثبات تجرد النفس الناطقة التي لنا أنّ نفوسنا تقدر على تعقل المعقولات الغير المتناهية فيكون قواها غير متناهية ؛ أمّا تعقّلها للمعقولات الغير المتناهية فلأنّها تعقل الأعداد الحسابية والأشكال الهندسية وهما غير متناهيين ، وكل ما عقل الأمور الغير المتناهية فقواه غير متناهية فنفوسنا قواها غير متناهية « 1 » ، ولا شيء من القوى المنطبعة يقوى على الإدراك والأفعال الغير المتناهية فنفوسنا غير منطبعة في أجسامنا . وهذه الحجة ليست برهانية - على ما اعترف به الجماعة - فإنّ أحد مقدّماتها قولهم : « إنّ نفوسنا تقدر على الإدراك الغير المتناهي » وهي ممنوعة فإنّ إدراكنا الأمور المتناهية على سبيل التفصيل محال فصحّ أنّ القوى - سواء كانت مجردة أو منطبعة - متناهية الآثار . ثم كل من له أدنى نظر وتأمّل حدسي إذا رجع إلى نفسه يرى أنّه لو كان لأنفسنا القوة الغير المتناهية لما أمكن أن تمنعها القوى البدنية عن عالمها « 2 » العقلي ومشاهدته والالتذاذ به وما انحبست في علاقة الأجرام و « 3 » تقيدت في تدبير الأجسام ولما كان تأثيرها منحصرا في بدن واحد ، والتالي في الكل باطل فكذا المقدم . فإذا كانت الحركات الفلكية غير متناهية وقواها المحرّكة لها متناهية فيجب أن يكون المبدأ العقلي الذي لها دائم الفيض على تلك النفوس الفلكية ، وهي قابلة لتلك الإفاضات العقلية النورية والتشويقات الإلهية القدسية الغير المتناهية ، وتكون الحركات والتأثيرات الصادرة عنها غير « 4 » متناه « 5 » على سبيل الوساطة لا على سبيل المبدئية - لما عرفت من تناهي قواها كيف كانت - فلا تزال العقول المجردة ممدّة لتلك النفوس الفلكية بالقوى الغير المتناهية أزلا وأبدا وهي تتحرك شوقا وعشقا إلى « 6 » تلك الذوات العقلية ويرشح عنها الخير الدائم على كل قابل من السفليات على سبيل العرض لا على سبيل القصد .
--> ( 1 ) . د : - فنفوسنا قواها غير متناهية . ( 2 ) . م : عللها . ( 3 ) . د ، م : الأجرام ما . ( 4 ) . د : - غير . ( 5 ) . م : متناهية . ( 6 ) . د : إن .